محمد محمد أبو ليلة
200
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
ممن يعمل في القرآن عقله أو هواه لوضع البسملة في أول سورة براءة قياسا على جميع سور القرآن ولما وجد في ذلك حرجا البتّة ؛ ولكنه التزم واتبع ولم يتأول ، مما يدل على أن الأمر توقيفى لا اجتهادي ، ويمكن أن يقال هنا إنه كان أمر ترتيب القرآن موضع اجتهاد وجرأة ، لطرحها أو طرحها غيره من موضعها في سورة النمل ، لأنها لم ترد في أول السورة كما هو الحال بالنسبة لسائر سور القرآن . وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " فيه إشارة إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعرف اسم السورة حتى يأتيه بها جبريل عليه السلام بدليل أنه عينها ببعض محتوياتها لا باسمها ، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عمر قال : ما سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن شئ أكثر مما سألته عن الكلالة ، حتى طعن بإصبعه في صدري وقال : يكفيك آية يَسْتَفْتُونَكَ التي في آخر سورة النساء ( الآية : 176 ) ، فقد حدد النبي صلى اللّه عليه وسلم هنا السورة باسمها لا ببعض محتوياتها ، وقربها للسامع بالإشارة إلى موضعها في السورة على جهة التيسير . ويمكن أن نقول إن ترك عثمان للبسملة في أول سورة براءة ، يعتبر سنة ، إذ وافقه على ذلك جميع الصحابة الذين لا يجتمعون على ضلالة ، وأعمال الخلفاء الراشدين وأقوالهم داخلة في عموم سنة النبي صلى اللّه عليه وسلم بنص قوله : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى ) ولعل النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبينها لحكمة ؛ وما كان لعثمان أن يضيف إلى القرآن ما ليس منه . قال البيهقي في المدخل : " كان القرآن على عهده صلى اللّه عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال ، وبراءة لحديث عثمان السابق « 1 » . وقد وردت الآثار بتعزيز هذه المسألة فقد روى مسلم قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " اقرءوا الزهراوين ، البقرة وآل عمران " ، وكحديث سعيد بن خالد : " قرأ صلى اللّه عليه وسلم بالسبع الطول في ركعة " رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ؛ وما رواه البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء : " إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى " أي ذخائرى وعتادى ، حيث ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه السور نسقا كما هي في ترتيب المصحف ، وورد أنه صلى اللّه عليه وسلم سمى سورة الحمد بفاتحة الكتاب وهي كذلك موضوعة في أول المصحف .
--> ( 1 ) المصدر نفسه 178